Middle East Nuke Free Bid Moves to Finland - ARABIC

AddThis

إثإثر قرار هلسنكي بإستضافة المؤتمر الدولي:
قضية تحرير الشرق الأوسط من الأسلحة النووية تنتقل إلي فنلندا
كتبه باهر كمال*
"إنديبث نيوز"

القاهرة (IDN) من المقرر أن تنتقل جهود تحرير الشرق الأوسط من جميع أسلحة الدمار الشامل بدءا من الأسلحة النووية إلي فنلندا في العام المقبل، وذلك في أعقاب قرار حكومة هلسنكي المفاجيء بإستضافة المؤتمر الدولي المتفق عليه في السنة الماضية والذي من المقدر أن ينكب علي النظر في هذه القضية.

والواقع أن الإعلان عن مكان إنعقاد هذا المؤتمر -حسب بيان الأمم المتحدة يوم 14 أكتوبر 2011- قد تزامن مع ذروة جديدة للربيع الجاري في العديد من الدول العربية وخاصة تونس ومصر وليبيا، وإستمرار الإنتفاضات الشعبية المريرة ضد الأنظمة الديكتاتورية في اليمن وسوريا وغيرهما.

كما تزامن القرار أيضا مع موجة قوية ومتنامية من الإحتجاجات الشعبية في بعض البلدان العربية ضد إسرائيل، وهي الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط التي تحوز أسلحة نووية يقدر عددها بما بين 210 و 250 سلاحا أي يعادل أكثر من ضعف الترسانات النووية الهندية والباكستانية مجتمعة.

وقد بلغت هذه الإحتجاجات الشعبية العربية ذروتها في القاهرة في أواخر سبتمبر وأوائل اكتوبر من هذا العام، مع الهجوم على السفارة الإسرائيلية وحرق الأعلام الإسرائيلية، فيما إنطلقت إحتجاجات أخرى في تونس والأردن والمغرب وغيرها.

وفي الوقت نفسه، تصادف الإعلان عن مقر هذا المؤتمر الدولي مع إندلاع حركة شعبية عارمة في إسرائيل ذاتها، ضد السياسات الاجتماعية وغلاء المعيشة وإرتفاع أسعار المواد الغذائية وتكاليف الخدمات، ناهيك عن معدلات البطالة الحالية، وذلك إحتجاجا علي الحكومة اليمينية-اليمينية المتطرفة برئاسة بنيامين نتنياهو.

مسألة الدولة الفلسطينية

وقبل ذلك بمجرد بضعة أسبابيع، جاءت مساعي السلطة الفلسطينية في الجمعية العامة للامم المتحدة في سبتمبر لطلب الإعتراف الكامل بفلسطين بإعتبارها دولة مستقلة ذات سيادة، وذلك تمشيا مع قرارات لأمم المتحدة ومجلس الأمن المتكررة في هذا الإتجاه.

هذه المساعي أدت إلى مزيد من التوتر في المنطقة في ضوء الرفض العنيد والعلني من جانب كل من إسرائيل والولايات المتحدة، وهي التي أعلنت بالفعل أنها ستستخدم حق الفيتو (الإعتراض) لوقف تمرير أي قرار بهذا الشأن في مجلس الأمن.

فصرح خبير مصري متقاعد في القضايا النووية ونزع السلاح لهذا الكاتب شريطة عدم الكشف عن هويته أن "كل هذه التوترات لن تساعد علي تسهيل مهمة فنلندا، كدولة مستضيفة للمؤتمر الدولي ومشرفة علي تنسيقه، في مجال المضي قدما على طريق إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية".

وأضاف الخبير الذي شارك في الأعمال التحضيرية لمؤتمرات إستعراض معاهدة عدم إنتشار الأسلحة النووية التي إنعقدت في أعوام 1995، 2000، 2005 و 2010 : "هناك الآن سيناريو جديد في المنطقة. الأنظمة الديمقراطية الناشئة في بلدان مثل تونس ومصر -وقريبا نأمل أيضا في سورية واليمن- لن تواصل الإذعان إلي "صوت سيده" أي الولايات المتحدة كما دأبت أن تفعل النظم الديكتاتورية منذ عقود طويلة".

هذه المنطقة المضطربة والناهضة والغنية بالنفط -الشرق الأوسط- هي الإقليم الرئيسي الكبير الوحيد الذي لا يخلو من الأسلحة النووية. فقد تحررت منها عدة مناطق أخرى بما في ذلك قارات بأكملها. هذا هو الحال بالنسبة لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وإقليم جنوب المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا، ومنطقة وسط آسيا، والقارة الأفريقية برمتها.

المهمة الصعبة

يتبين مما سبق، ومن غيره من القضايا الأخري العديدة والمعقدة كما يذكر لاحقا، أن المهمة التي تقع علي عاتق جاكو لاجافا، وكيل وزارة الخارجية الفنلندية الذي تم إختياره كوسيط ومنسق للمؤتمر الدولي المقدر عقده في عام 2012، لن تكون مهمة سهلة علي الإطلاق.

فقد واجه الطريق الذي أدي إلي هذا المؤتمر سلسلة من العقبات الجمة قبل قرار عقده الذي أتخذ في أعقاب مؤتمر إستعراض معاهدة حظر الانتشار النووي في نيويورك في الفترة 03 - 28 مايو 2010.

ويجوز القول بأن هذا القرار جاء وليدة الجهود المضنية التي بذلتها مصر بإعتبارها صاحبة مبادرة إعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل منذ أواخر الستينات، والتي حظت بدعم الدول العربية، وتركيا، وحركة عدم الانحياز، فضلا عن بعض الدول الأوروبية وخاصة الإسكندنافية.

وأكدت الدبلوماسية المصرية أثناء التحضير لإجتماع إستعراض معاهدة عدم الانتشار الأخير في نيويورك، بل وفي مختلف المحافل، مطالبتها بتحرير منطقة الشرق الأوسط من الترسانات النووية وجميع أسلحة الدمار الشامل.

هذه المبادرة المصرية، التي أطلقت للمرة الأولى في عام 1961 وتبلورت على مدى العقود الأربعة الماضية، تعكس موقف جميع الحكومات التي توالت علي البلاد تجاه حتمية تطهير الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وكافة أسلحة العامة الدمار الشامل (النووية والبيولوجية والكيميائية).

كما أكدت مصادر مصرية وثيقة الإطلاع علي أن هذا الموقف لن يتغير مع تغير النظام أو الحكومات في المستقبل.

مبادرة القاهرة

وزعت مصر علي جميع الأطراف المشاركة في مؤتمر نيويورك 2010 لإستعراض معاهدة حظر الانتشار النووي، ورقة عمل دعت من خلالها المؤتمر للتعبير عن الأسف لعدم إحراز أي تقدم علي طريق تنفيذ قرار عام 1995، الذي أكد قرارات سابقة لجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية.

هذا القرار الأممي أرسي قاعدة صلبة للتفاوض حول إزالة الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في المنطقة.

وقبل أيام قليلة من إجتماع نيويورك المذكور، نادت وزارة الخارجية المصرية في 26 أبريل 2010 جميع الدول الإنضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، علما بأن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي ترفض الإنضمام لهذا المعاهدة.

وشددت دبلوماسية القاهرة علي إرادة مصر بضمان إنضمام جميع الدول إلى معاهدة عدم الانتشار، مؤكدة أن عدم إنضمام إسرائيل إليها يشكل خطرا علي الأمن والسلام في المنطقة.

وحثت القاهرة مؤتمر إستعراض معاهدة حظر الانتشار النووي في نيويورك علي تنظيم مؤتمر للامم المتحدة بحلول عام 2011 وبمشاركة جميع دول المنطقة، سعيا للتوصل إلى إتفاق رسمي يضمن التزامها الفعلي بتحرير الشرق الأوسط من الأسلحة النووية.

ودعت القاهرة إلي عقد مثل هذا المؤتمر تحت راية الامم المتحدة لضمان أن تكون قراراته ملزمة قانونا. ولكن بدلا من ذلك، قرر مؤتمر إستعراض المعاهدة عقد "مؤتمر دولي"، ما يعني أن تخرج عنه مجرد توصيات غير ملزمة.

وبناء علي هذا، من المقدر أن يتحول مؤتمر فنلندا في العام المقبل للنظر في إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل إلي "نمر بلا أسنان"، حسب تعبير دبلوماسي آسيوي.

الرفض الإسرائيلي

تتمسك إسرائيل-بدعم الدول الأوروبية وتأييد الولايات المتحدة- بقرارها بعدم الكشف عن ترسانتها النووية لأي جهة دولية، وإصرارها على إحاطة برنامجها النووي العسكري بالسرية التامة، في حين تكرر رفضها الإنضمام إلى معاهدة عدم إنتشار الأسلحة النووية.

وفي مؤشر واضح علي موقف إسرائيل بعرقلة مساعي تحرير الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، رفض رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو المشاركة في قمة الأمن النووي التي عقدها الرئيس الأمريكي باراك أوباما في واشنطن يومي 13 و14 أبريل 2010. كما قرر نتنياهو عدم المشاركة أيضا في مؤتمر إستعراض معاهدة حظر الانتشار النووي في مايو من العام الماضي في نيويورك.

المتطلبات الأساسية

أصدرت مصر وثيقة رسمية تشرح رؤيتها لمتطلبات إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وذلك قبل مجرد أسبوع من إنعقاد مؤتمر إستعراض معاهدة حظر الانتشار النووي في الأخير.

وجاء في الوثيقة أن الرؤية المصرية لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة تنبني على مبادئ أساسية مثل إقرار حل منصف وعادل للقضية الفلسطينية وتنفيذ جميع القرارات المبنية على أساس الشرعية الدولية.

وشددت الوثيقة علي أن موقف مصر الذي لا لبس فيه هو أن:

-حيازة أسلحة الدمار الشامل لا تضمن الأمن لأي دولة في منطقة الشرق الأوسط، بل ويتحقق ذلك من خلال إقرار سلام عادل وشامل،

-عدم وجود "أي خطوة ايجابية" من جانب إسرائيل تجاه تحرير المنطقة من كافة الأسلحة النووية، إضافة إلي الموقف الإسرائيلي المبني علي أساس "مذهب التفوق العسكري"، سوف يسهم فقط في تفاقم حالة إنعدام الأمن الإقليمي.

كذلك فقد أعربت مصر عن رفضها لأي نوع من التفرقة أو التمييز أو التجزئة أو التنازل أو "الإختيارية" لصالح طرف واحد في مجال القضاء التام على جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل في المنطقة.

وشددت القاهرة أيضا علي حتمية أن تتم عملية نزع جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط تحت إشراف دولي شامل، لا سيما من جانب الأمم المتحدة ووكالاتها. وطالبت بتنفيذ كافة قرارات الامم المتحدة الداعية في هذا الصدد، وبخاصة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 487 لعام 1981.

المظلة النووية الأميركية

قبل أقل من عام واحد علي إنعقاد مؤتمر إستعراض معاهدة حظر الإنتشار النووي 2010، رفضت القاهرة إقتراح الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش بضمان الدفاع عن المنطقة ضد الأسلحة النووية كجزء من خطة سلام شامل في الشرق الأوسط.

والمعروف أن مثل هذه "المظلة النووية" المقترحة ضمنا عادة ما تستخدم لتحالفات الولايات المتحدة الأمنية مع دول غير نووية مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، ومعظم دول أوروبا، وتركيا، وكندا ، وأستراليا، ونشأت جراء الحرب الباردة مع الإتحاد السوفيتي آنذاك. وتعتبر مثل هذا المظلة بديلا لإمتلاك هذه الدول أسلحة نووية.

ففي 18 أغسطس 2009، وأثناء زيارته الأولى لواشنطن منذ خمس سنوات، أصرت الدبلوماسية المصرية علي لسان الرئيس المخلوع حسني مبارك، علي أن ما يحتاجه الشرق الأوسط هو سلام وأمن وإستقرار وتنمية، وليس أسلحة نووية.

وأكدت مصر تعهدها الكامل بالإلتزام بإعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية. وإستباقا لأي نقاش حول هذه المسألة، نشرت صحيفة الأهرام الحكومية المصرية مقابلة حصرية مع مبارك في 17 أغسطس 2009، جاء فيها أن مصر لن تكون جزءا من أي مظلة نووية أمريكية تهدف إلى حماية دول الخليج.

وجاء أيضا أن مثل هذه المظلة تعني ضمنا قبول قوات وخبراء أجانب "على أرضنا ونحن لا نقبل ذلك". كذلك إن الشرق الاوسط ليس في حاجة إلي قوى نووية، "سواء كانت إيران أو إسرائيل، وأن "كل ما نحتاجه هو السلام والأمن والاستقرار والتنمية".

وفي نفس اليوم، علق المتحدث باسم الرئاسة المصرية على فكرة المظلة النووية الأميركية في المنطقة، قائلا "ليست هذه هي المرة الأولى التي تثار فيها مثل هذه القضية، فهي جزء من سياسة الدفاع الاميركية".

العامل الإيراني

وتعليقا علي خطط الولايات المتحدة النووية المزعومة في منطقة الشرق الأوسط، قال المتحدث المصري أنها غير مقبولة على الإطلاق، سواء شكلا أو مضمونا، ويجب أن يتم التعامل مع الملف النووي الإيراني بروح الحوار والمرونة من كلا الجانبين، الغرب وايران.

وقال أن إيران لها الحق في الإستفادة من الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، مثلها مثل أي دولة أخرى موقعة على معاهدة عدم إنتشار الأسلحة النووية، طالما تثبت أن برنامجها النووية هي ذات أغراض سلمية.

وخلاصة، وفي ضوء كل ما سبق، فقد إعترضت الطريق نحو الإعلان عن عقد المؤتمر الدولي في فنلندا في العام المقبل للنظر في تحرير الشرق الاوسط من أسلحة الدمار الشامل، سلسلة طويلة من العقبات من بينها عدم إستعداد أي دولة لا لإستضافته ولا للقيام بدور الوسيط فيه. فهل تنجح فنلندا في تحقيق ما فشل فيه غيرها خلال عقود طويلة؟.

*باهر كمال، كاتب وصحفي مصري-أسباني، علماني، مناهض للحروب، خبير في الشؤون الدولية، وناشر ورئيس تحرير "هيومان رونغ ووتش" Human Wrongs Watch.
[IDN-InDepthNews - November 6, 2011]

Copyright © 2011 IDN-InDepthNews | Analysis That Matters

 

Search